الرياضة ليست ترفًا… بل حياة
لم تكن رحلة هروب، ولا كانت استراحة، كان ذاهبًا ليمثّل وطنًا يشتعل. اللاعب اللبناني، تمامًا كأي فرد من هذا الشعب، عاش الخوف، والنزوح، والخسارة. لكن الفارق الوحيد، أنّ عليه أن يستمر أن يرتدي قميص الوطن، أن يدخل إلى الملعب، أن يركض ويسجّل وكأنّ شيئًا لم يكن. وسط كلّ هذا،كان الإعلام غارقًا في نشرات عاجلة، وخسائر بشرية، وتحليلات سياسية لا تهدأ
لكن، أين كرة القدم؟أين صوت اللاعبين؟أين حكايا الأندية؟أين صورة الوطن التي تقاوم من قلب المستطيل الأخضر؟
لا نسعى إلى تزيين الحرب، ولا إلى تهميش المأساة. لكن في أكثر اللحظات قتامة، ربما كان على الإعلام أن يُبقي نافذة صغيرة مفتوحة يمرّ منها بعض الضوء
أن ينقل خبرًا صغيرًا عن لاعب غادر تحت القصف، أو عن نادٍ قرر استكمال مشواره رغم الألم .أن يُذكّرنا بأنّ الرياضة ليست ترفًا، بل حياة.أن يُخبرنا أنّ هناك من قرّر أن يركض باسم لبنان، حين لم يبقَ الكثير مما يمكن الركض لأجله. بعض الصحافيين الرياضيين رغم صعوبة الوصول إلى المعلومة، وانقطاع التواصل مع مصادرهم، وانشغال المؤسسات بالأخبار السياسية والأمنية حاولوا أن يكتبوا
لكن ما كتبوه لم يُنشر في الصفحات الأولى، ولم يُروَّج على المنصات الرقمية للمؤسسات. بقيت تغطيتهم في الهامش تمامًا كما كانت دائمًا بسبب اهمال المؤسسات.و هذا ما قاله الصحافي الرياضي حسن شرارةعن حال بعض الصحافيين الرياضيين في لبنان
ثمة دور آخر للإعلام، لا يقلّ أهمية عن نقل المجازر والانفجارات، بل يكاد يكون استثنائيًا في لحظات الانهيار أن يُبقي الحياة مرئية. أن يُذكّر الناس، ولو بخبر صغير، أن هناك من يلعب لا لأنّه غافل عن الموت، بل لأنّه يقاومه بلغة أخرى. اللاعب الذي خرج من الملعب ونزح ومن بعدها ترك عائلته وعاد ليرتدي القميص الوطني، هو صورة لا تقلّ بطولة عن متطوّع أو عن مصوّر في خط النار. لكن، حين يتجاهل الإعلام هذه الوجوه، لا يكتفي بحرمانهم من الاعتراف، بل يقطع خيطًا رفيعًا كان يمكن أن يربط الناس بكرامتهم، بأحلامهم، ولو للحظات.
الصحافة الرياضية مهمشة قبل الحرب… فكيف بعدها؟
في الحرب، الصحافة لا تنقل فقط "ما يحدث"، بل تساهم في تشكيل الذاكرة. في ذاكرتنا نحن، حين يُروى تاريخ هذا البلد، سنسأل: أين كان الإعلام الرياضي حين لعب منتخب لبنان تحت القصف؟ من كتب عن نادي تحدّى الانفجارات ليستكمل البطولة؟من أوصل صوت اللاعب الذي غادر عائلته ليحمل علم بلاده خارج الحدود؟ غياب هذه الحكايات من الشاشة والصحيفة لا يعني أنها لم تحدث، بل يعني فقط أننا لم نكن حاضرين بما يكفي لنرويها كما يجب. لكن، لعلّ السؤال الأهم ليس: "لماذا غابت الصحافة الرياضية خلال الحرب؟" بل "هل كانت حاضرة أصلًا قبلها؟"
في الحقيقة، الصحافة الرياضية في لبنان لم تكن يومًا في موقع قوي. صوتها خافت، إمكانياتها محدودة، واهتمام المؤسسات الإعلامية الكبرى بها لا يتجاوز التغطيات السطحية، أو التكرار الممل لأخبار الانتقالات ونتائج المباريات. لا استقصاء، لا قصص إنسانية، لا ملفات تُفتح وكأنّ الرياضة في لبنان مجرد فقرة ترفيهية لا تستحق الجهد الصحفي. وهذا ما اكده الصحافي الرياضي سليم ناصر
فإذا كانت غائبة أساسًا في وقت "السلم"، فكيف نتوقّع منها أن تكون حاضرة في زمن الحرب؟ حين سقطت القذائف، سقط معها ما تبقى من اهتمام
اغلقت الحياة الرياضية بالكامل، وتحوّلت الشاشات إلى منصّات سياسية. وكأنّ صوت اللاعبين، وأوجاعهم، وتفاصيل حياتهم، لا مكان لها في الذاكرة الوطنية. لكن الحقيقة أنّ اللاعب الذي استمرّ في التدريب، رغم انقطاع الحياة والقصف المستمر، هي صورة من صور الصمود. وأنّ النادي الذي حافظ على تماسكه رغم الحرب، هو جزء من نسيج بلد لم ينكسر. وأنّ مباراة لُعبت خارج الحدود، كانت رسالة بأنّ لبنان ما زال موجودًا ولو على المستطيل الأخضر، هؤلاء يستحقّون منّا أن نروي قصّتهم. أن نقول إنهم لم يختاروا الصمت، بل اختاروا الحياة
ولعلّ الصحافة الرياضية، إذا أرادت أن تُعيد تعريف دورها، عليها أن تبدأ من هنا، أن تكون مرآة لحياة الناس لا ظلًا باهتًا على هامش الأحداث
شاركنا أرائك